هناك فريقٌ من الناس يألفون المواقف الضبابية، فلا يستبين لهم موقفٌ شرعي واضح في سلم أو حرب، وتختلط عندهم الأحكام الجلية بالمشتبهات؛ إما جهلًا بالفروق، أو تعمدًا للخلط والإلباس اتباعًا لهوى أو شبهة.

ومن أبرز صور هذا الخلط: التسوية بين قتال البغاة المحاربين المعتدين، وقتال المسلمين في الفتن المشتبهة التي تأوّل فيها بعضهم على بعض؛ فيجعلون الحالين من جنس واحد، مع تباينهما في الحكم والسبب والملابسات.

ثم يبنون على هذا الخلط قياسًا فاسدًا، فيُلحقون قتال الحوثي وردَّ عدوانه وبغيه بقتال الفتنة الذي اعتزله الكثير من الصحابة رضي الله عنهم، ويستدلون باعتزالهم لذاك القتال، على وجوب اعتزال هذا القتال، وكأن اختلاف الأحوال والأحكام لا اعتبار له! وهنا مكمن الخلل في الاستدلال، وموضع المغالطة التي يحاولون تمريرها على الناس. ولتوضيح الفرق بين هذا وذاك، لا بد من تحرير المسألة وبيان الفروق بين الوقائع والأحكام:

أولًا: حقيقة الخلاف الذي وقع بين الصحابة رضي الله عنهم

كان اقتتال الصحابة رضي اللهُ عنهم في الجمل وصفين من مسائل الاجتهاد والفتنة، ولم يكن نزاعًا على أصل الإسلام، ولا على صحة الشريعة، ولا على أصل من أصول الدين، ولا على اختلاف في أصل الانتماء إلى جماعة المسلمين؛ وإنما دار الخلاف حول تقدير الموقف الشرعي والسياسي بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، ولا سيما مسألة القصاص من قتلته، وتوقيت إقامته، وما يترتب على ذلك من اجتماع الكلمة واستقرار أمر المسلمين.

وكان علي رضي الله عنه هو الخليفة الذي انعقدت له بيعة المهاجرين والأنصار، وكان يرى أن استقرار الخلافة واجتماع المسلمين مقدَّم في تلك المرحلة، وأن القصاص لا بد أن يكون وفق القدرة والتمكن. بينما كان معاوية رضي الله عنه يطالب بالقصاص من قتلة عثمان، ويرى تقديم ذلك في تلك المرحلة.

ولا يعني هذا تساوي الموقفين في الصواب؛ فأهل السنة يقررون أن عليًّا رضي الله عنه كان أولى الطائفتين بالحق وأقربهما إلى الصواب، لما دلت عليه النصوص النبوية.

ومن أوضحها قول النبي ﷺ: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ». رواه مسلم (1064). وهذا الحديث يجمع بين دلالات مهمة:

* إثبات إسلام الطائفتين اللتين وقع بينهما الاقتتال.
* إثبات أن إحداهما أولى بالحق من الأخرى، وهي طائفة علي رضي الله عنه.
* الإخبار بخروج طائفة مارقة بينهما، والتمييز بينها وبين الطائفتين المتقاتلتين.

وهذا التفريق هو مفتاح المسألة كلها؛ إذ لا يصح تسوية الطائفتين اللتين وقع بينهما الاقتتال الاجتهادي بالطائفة المارقة التي جاءت النصوص ببيان شأنها.

ثانيًا: لماذا اختلف موقف الصحابة من قتال أهل الشام عن موقفهم من قتال الخوارج؟

هذه نقطة جوهرية يغفل عنها من يريد تسوية الحالتين. فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الصحابة في الفتنة التي وقعت بين علي ومن قاتلوه كانوا ثلاثة أصناف:

* فريق قاتل مع علي رضي الله عنه.
* فريق قاتل مع من قاتله.
* فريق اعتزل القتال ولم يقاتل مع أي من الطائفتين.

وكان اعتزال كثير من الصحابة ناشئًا عن اجتهادهم في تجنب الفتنة وسفك الدماء، لا عن اعتقادهم أن قتال أهل البغي محرم مطلقًا، أو أن كل اقتتال بين المسلمين يجب اعتزاله مهما اختلفت أسبابه وأحواله. ثم بيّن رحمه اللهُ الفرق بين هذه الفتنة وقتال الخوارج، وذكر أن الخوارج لم يكن فيهم أحد من الصحابة، وأن الصحابة لم يختلفوا في قتالهم كما اختلفوا في القتال يوم الجمل وصفين.

ونص على اتفاق السلف والأئمة على قتال الخوارج، وأنه لم يقع في ذلك النزاع الذي وقع في قتال أهل الجمل وصفين. وذلك في مجموع الفتاوى (28/513)،  وله رحمه الله تقريرات أخرى في المسألة. وهنا يتضح بطلان الاستدلال بترك بعض الصحابة القتال في الفتنة على وجوب ترك قتال كل جماعة باغية أو خارجة؛ لأن هذا نقل لحكم واقعة إلى واقعة أخرى تختلف عنها في أسبابها ومناطاتها. فالاعتزال في فتنة الاجتهاد ليس قاعدة مطلقة في كل قتال، ولا يجوز تحويل موقف اجتهادي اقتضته ظروف معينة إلى أصل شرعي يعطل أحكام قتال البغاة والخوارج.

ثالثًا: الخوارج حالة أخرى، وموقف علي رضي الله عنه منهم شاهد على اختلاف الأحكام. فلم يكن الخوارج مجرد فريق آخر من المسلمين اختلف مع علي رضي الله عنه في تقدير مسألة سياسية أو في توقيت إجراء شرعي؛ بل ظهرت منهم عقائد وممارسات فارقوا بها جماعة المسلمين.

فقد كفّروا عليًّا وعثمان رضي الله عنهما، وكفّروا مخالفيهم، واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم، وخرجوا على جماعة المسلمين، واعتدوا على الآمنين، وقتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت رضي الله عنه، وبقروا بطن جاريته، ثم امتنعوا عن تسليم قاتله، بل أقروا بأنهم جميعًا قتلوه. وهنا لا بد من التوقف عند موقف علي رضي الله عنه؛ لأنه يوضح بجلاء أن اختلاف الأحوال يقتضي اختلاف المواقف والأحكام. فعلي رضي الله عنه لم يبدأ الخوارج بالقتال لمجرد اختلافهم معه، بل ناقشهم، وأرسل إليهم ابن عباس رضي الله عنهما، فرجع منهم عدد كبير، وحاور الباقين، وسعى في ردهم إلى جماعة المسلمين.

ولما قتلوا عبد الله بن خباب، وطالبهم بتسليم قاتله فامتنعوا، وتجاوزوا ذلك إلى العدوان، قاتلهم. وقد بسط الشوكاني رحمه اللهُ روايات هذه الواقعة وشواهدها في نيل الأوطار، وقرر قبله شيخ الإسلام ابن تيمية دلالتها، وبيّن الفرق الجوهري بين قتال الخوارج والقتال الذي وقع بين الصحابة رضي الله عنهم.

وهكذا لم يكن موقف علي رضي الله عنه من الخوارج كموقفه من أهل صفين؛ فمع أنه لم يكفّرهم، وحكم عليهم بأنهم قوم بغوا عليه، فإنه قاتلهم لما تحقق من بغيهم وعدوانهم. وهذه نقطة مهمة ينبغي ألا تغيب عن الأذهان: فعدم تكفير الطائفة لا يعني عدم جواز قتالها، كما أن وصفها بالإسلام لا يمنحها حصانة من أحكام البغي والعدوان المسلح. وهذا من أوضح ما يرد على من يخلط بين الحكم على العقيدة والحكم على الفعل والعدوان.