لا يمكن قراءة الخطاب الديني لمليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران بمعزل عن تصورها لمصادر التلقي والمرجعية الدينية؛ إذ تكشف نصوص مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي، ومواقف عدد من قياداتها، عن مسار يبدأ بإعادة النظر في بعض مصادر القرآن والسنة، ويمتد إلى تحديد مرجعية خاصة لفهم النصوص، ثم توظيف عدد من الآيات والمفاهيم القرآنية في بناء تصور ديني وسياسي يقوم على الاصطفاء والولاية والطاعة والقيادة.
وتبرز هذه الرؤية في ملازم ومحاضرات حسين الحوثي، وفي خطابات قيادات أخرى، حيث لا يقتصر الأمر على نقد بعض المرويات أو التفاسير، وإنما يتجاوز ذلك إلى تقديم تصور يجعل لأهل البيت، ومن يصفهم الخطاب الحوثي بـ "أعلام الهدى"، دوراً مركزياً في فهم القرآن وتحديد دلالاته.

 التشكيك في جمع القرآن وتدوينه
يتناول حسين الحوثي (مؤسس مليشيا الحوثي) مسألة جمع القرآن وتدوينه، مستعرضاً الروايات المتعلقة بجمعه في عهد أبي بكر، واختلاف الأحرف والقراءات، ثم جمع المصاحف في عهد عثمان، يقول: "معنا كتاب الله، ولا زال يواجه بالتشكيك بأنه إنما جُمع من خِرَق وأضلاع وقراطيس وجمعها أبو بكر، ولولا أبو بكر كان يمكن أن ينتهي القرآن". كما يتحدث عن الفرق بين القرآن الذي كان يُتلى على عهد الرسول وبين المصحف الذي "تعرض للهزات من قبل المسلمين أنفسهم"، مشيراً إلى قضية الأحرف والقراءات، ثم جمع عثمان للمصاحف وإحراق ما عدا النسخة التي اعتمدها.( دروس من هدي القرآن الكريم، سورة آل عمران، ص2)
ولا يتوقف الطرح عند قضية الجمع والتدوين، بل يربطها الحوثي بمكانة علي بن أبي طالب، إذ يقول: "فعندما يُقصى الإمام علي عليه السلام على جنب، فبالتأكيد أن القرآن أُقصي معه أيضاً؛ لأنه قرين القرآن"، معتبراً أنه لا يمكن إقصاء علي مع بقاء القرآن "يعمل" و"حياً" و"مطبقاً".(ذكرى استشهاد الإمام علي، ص2)
وهنا تنتقل القضية من الحديث عن تاريخ المصحف إلى سؤال المرجعية: من يملك حق تفسير القرآن وتحديد منهجه؟ وهو سؤال سيظهر بصورة أكثر وضوحاً في موقف الحوثي من كتب التفسير.

 من نقد التفاسير إلى احتكار مرجعية الفهم
ينتقد حسين الحوثي كتب التفسير، ويقول إنها وضعت بين الناس والاهتداء بالقرآن "حجاباً كثيفاً" بسبب ما تضمنته من آراء ومصطلحات وخلافات، ثم يطرح ما يسميه "التفسير العملي الحي" الذي يقدمه "علم الهدى من أهل البيت في كل عصر".(معرفة الله، ص18)
وفي موضع آخر يقرر: "تتعرف على القرآن عن طريق قرناء القرآن وورثة الكتاب، ليس عن طريق تفسير الطبري وتفسير ابن كثير وغيرهما من المفسرين".(يوم القدس العالمي، ص17)
وبذلك لا يقف الخطاب الحوثي عند نقد منهج تفسيري أو كتاب بعينه، وإنما يقدم طريقاً محدداً للوصول إلى المعنى القرآني، يقوم على "قرناء القرآن" و"أعلام الهدى" من أهل البيت.
ويعزز القيادي الحوثي يحيى قاسم أبو عواضة هذا التصور، إذ قال في مادة بثتها قناة "المسيرة" التابعة للحوثيين، إن المشكلة التي وقعت فيها الأمة أنها قدمت القرآن "كتاباً مبتذلاً" بعدما لم يعد له ارتباط بـ "قرنائه من أهل بيت النبي"، وصولاً إلى وصف القرآن بأنه أصبح "ليس فقط كتاباً ناقصاً، وإنما طلع أعمى".

 السنة النبوية.. التشكيك في الرواة والمصادر، وتحديد معيار القبول
ويمتد هذا التصور إلى السنة النبوية؛ إذ تتضمن ملازم حسين الحوثي انتقادات حادة للخلفاء والصحابة، ومن ذلك وصفه الثلاثة الأوائل من الخلفاء الراشدين بأنهم "سيئات من سيئات عمر"، وقوله عن الصحابة إن لهم "زلات وأخطاء قديمة كثيرة جداً جداً" بدأت من يوم السقيفة. (سورة المائدة الدرس الأول التولي لليهود وخطورته، ص2)
كما يطعن بدر الدين الحوثي في رواية أبي هريرة، قائلاً: "عندنا ضعيف، فلا يصح علينا الاحتجاج به"، وينتقد كذلك كتب الحديث، بما فيها صحيحا البخاري ومسلم، ويشكك في دعوى الإجماع على العمل بهما.
ولا يقتصر الأمر على نقد الرواة والمصادر، بل يضع حسين الحوثي معياراً آخر لقبول الحديث؛ إذ يقرر أن صحة السند أو كثرة الرواة لا تكون حاسمة إذا تعارضت الرواية مع ما يراه من "توجيهات الله" أو كانت تخدم الظالمين أو تطعن في آل البيت، ثم يقرر أن الحديث الصحيح هو ما وافق هدي القرآن وكان ناطقاً عن "آل البيت أعلام الهدى".( دروس من وحي عاشوراء ص ١٠)
ويرى الباحث خالد الوصابي أن هذا المسار يستهدف إحلال "العترة" محل مرجعية السنة نقلاً وفهماً، وربط ذلك بالطعن في رواة السنة ومصادرها، بما يفتح الطريق أمام إعادة تشكيل المرجعية الدينية وفق التصور الحوثي. (ورقة «الاستهداف الحوثي الممنهج لمصادر السنة النبوية»، ندوة «الطعن الحوثي في الصحابة ومصادر السنة النبوية: الأبعاد والمخاطر وسبل المواجهة»، الرياض، 7 محرم 1448هـ، الموافق 22 يونيو 2026م).

 توظيف نصوص القرآن لخدمة الاصطفاء والولاية
لا يقتصر التوظيف الحوثي للنص القرآني على قضايا المرجعية، بل يمتد إلى آيات تُستحضر لتأسيس مفاهيم الاصطفاء والولاية والقيادة.
ومن أبرزها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 33)، حيث يُربط مفهوم الاصطفاء في الأدبيات الحوثية بمكانة أهل البيت ودورهم في هداية الأمة.(دروس من هدي القرآن الكريم)
ويستحضر الخطاب كذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (فاطر: 32)، في سياق التأكيد على "وراثة الكتاب" وهم آل البيت "قُرناء القُرآن" المخولين حصراً بفهم القُرآن، و أهل البيت "أعلام الهدى" الذي تتوقف هداية الأمة عليهم وحدهم. كما ورد في ملزمة "دروس من هدي القرآن الكريم - سورة المائدة (الدرس الرابع)"، لحسين الحوثي.
وفي مفهوم الولاية تستحضر: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (المائدة: 55)، كما تُستحضر آية الطاعة: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59)، ضمن تصور يربط الولاية والطاعة بالقيادة الدينية.(12) ، كما تثبت ذلك بالفكرية والثقافية للزيدية، 2012م.
أما في الخطاب التعبوي، فتظهر آيات القتال، ومنها: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ (التوبة: 12)، و﴿وَجَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (التوبة: 73)، في سياقات تستدعي مفردات الجهاد والمنافقين وأعداء الله في توصيف الخصوم.(دروس من هدي القُرآن)

 من النص إلى المشروع السياسي
يقول الباحث المهتم بالفكر الحوثي، وليد سعيد، في تصريح لـ "المنبر الإعلامي لعلماء اليمن"، إن بعض الخطابات والوثائق المنسوبة إلى قيادات الجماعة، ومنها ملازم حسين الحوثي، تتضمن ما وصفه بـ "التكذيب الصريح للقرآن الكريم والسنة النبوية" باعتبارهما المصدرين الأساسيين للتلقي والتشريع، وهو ما يعبر عن "فكرهم الضال، وأهوائهم المنحرفة".  
ويستشهد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]،وقوله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، وقوله جلّ وعلا: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59].
ويؤكد الباحث سعيد أن رد السنة النبوية الصحيحة لمجرد مخالفتها لمذهب أو تصور أو موقف سياسي، أمر بالغ الخطورة؛ لأنه يمس أصل المرجعية التي أوجب الله تعالى على المسلمين الاحتكام إليها". داعياً "إلى مواجهة هذه الجماعة المنحرفة الفكر والعقيدة، وحماية المجتمع من أخطارها الفكرية والعقدية" وبالأخص "العلماء والباحثين والمثقفين ببيان الحق بالحجة، وكشف مواطن الخلل في الخطابات الدينية والسياسية التي تنسب إلى الوحي ما ليس منه، أو ترد ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دون دليل معتبر".

وتقود نصوص وخطابات الحوثيين عند جمعها في سياق واحد، إلى ملاحظة مسار واضح، وهو التشكيك في بعض مصادر التلقي، وإعادة تحديد مرجعية فهم القرآن والسنة، ثم استدعاء مفاهيم الاصطفاء والولاية والطاعة والجهاد... لتقديم غطاء ديني لمشروع الجماعة الفكري والسياسي.