منذ أكثر من عقد، تخوض ميليشيا الحوثي حربًا ممنهجة ودموية ضد الخطباء والدعاة والأئمة في اليمن، ضمن مساعيها لفرض خطابها الطائفي والسياسي داخل المساجد بقوة السلاح.
ولم تقتصر الانتهاكات على التضييق الفكري ومصادرة حرية الرأي والمعتقد، بل شمل القتل والاختطافات التعسفية، في استهداف مباشر لكل صوت يرفض إخضاع المنابر للتعبئة الطائفية.
بدايات دموية
تكشّف الوجه الدموي للجماعة مبكرًا مع توسع سيطرتها الميدانية. ففي 14 أبريل 2014، اقتحمت عناصر حوثية معززة بوحدات خاصة منزل المواطن «بشير شحرة» في المدينة القديمة بمحافظة إب، وأقدمت على إعدامه بالرصاص وسحل جثمانه أمام أطفاله وعائلته، لرفضه فرض خطيب موال للجماعة بالقوة في الجامع الكبير بالمدينة.
https://x.com/h_alsarare/status/2107488016231178678
وكانت تلك الواقعة بداية لسلسلة من الجرائم، ففي 21 أكتوبر 2017، اقتحم مسلحون يستقلون طقمًا حوثيًا مسجد قرية نعمان بمنطقة الحشوة في محافظة صعدة، وحاولوا اعتقال إمامه.
وحين حاول المصلون منعهم، أقدم المسلحون على إطلاق النار على المتواجدين واعتقلوا ثلاثة مواطنين هم: بندر أحمد عيضة ووالده وشخص آخر، واقتادوهم إلى مكان مجهول. وفي اليوم التالي عُثر على «بندر» جثة هامدة مكبلة بالسلاسل في مستشفى السلام.
إسكات المنابر
ومع اتساع السيطرة الحوثية على المساجد، تصاعدت حدة القمع والتنكيل بحق الخطباء الرافضين توظيف المنابر للتعبئة السياسية والطائفية والتحشيد للحرب.
في يوليو 2019، داهمت ميليشيا الحوثي مصلى العيد بمنطقة قيفة رداع المكتظ بالمصلين، وأطلقت النار على الخطيب وأردته قتيلًا لرفضه التوقف عن خطبته، مما فجر اشتباكات دامية خلفت 9 قتلى من المواطنين بينهم خطيب العيد، إلى جانب قتل أفراد الحملة.
وبالتزامن مع تصاعد الانتهاكات بحق الخطباء والأئمة، كثفت الجماعة استغلال المساجد في الدعاية السياسية والتعبئة المذهبية.
وفي نوفمبر ٢٠٢٠، هدد قيادي حوثي يدعى أحمد صالح القادري خطيب جمعة يدعى حميد زيد في منطقة يفاعة التابعة لمديرية الظهار بمدينة إب، بالسجن؛ بعد امتناعه عن الدعاء على الدول التي تصفها الجماعة بـ«العدوان» في خطبة الجمعة.
جرائم موثقة
ووثقت منظمة «رايتس رادار» لحقوق الإنسان، في بيان صدر في يوليو 2025، أكثر من 735 انتهاكًا حوثيًا ضد الأئمة والدعاة والخطباء والفقهاء ومعلّمي القرآن، توزعت بين 51 حالة قتل، و118 إصابة، وأكثر من 560 حالة اختطاف واحتجاز.
وتصدر حفاظ القرآن القائمة بـ310 حالة اختطاف، و20 قتيلًا، و51 إصابة، تلاهم الخطباء بـ195 حالة اختطاف و16 قتيلًا و29 جريحًا، ثم أئمة المساجد بـ133 حالة (شملت 94 اختطافًا، و10 قتلى، و29 جريحاً)، إضافة إلى استهداف العلماء والمتخصصين في الفقه والتفسير.
ويجمع هؤلاء الضحايا، وفق المنظمة، أنهم «عُرفوا بمناهضة التوجه الحوثي الطائفي»، إضافة إلى «اشتهارهم بمناصرة القضية الفلسطينية بمختلف الوسائل والسبل المتاحة».
آخر منصة
وحول أسباب الاستهداف الحوثي للمساجد وفرض الخطباء، أوضح الدكتور كمال القطوي، عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن، أن «المنبر آخر منصة متاحة في البلاد، فعمدوا إلى مصادرتها».
وأضاف الدكتور القطوي، في حديث خاص لـ«المنبر الإعلامي لعلماء اليمن» أن الجماعة تبني سلطانها على فكرة «الولاية»، ولا تحتمل إلقاء خطبة جمعة دون ختمها بـ«الصرخة»؛ فهي ترى نفسها «التجسيد الوحيد للدين، وعمائمها قرناء القرآن، وزعيمها الناطق باسم السماء»، ولذلك فإن كل من لا يمتثل لهذه «القداسة المزعومة» يناله البطش.
ولفت إلى ما وثّقته «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» بشأن فرض 1291 خطيبًا وإمامًا بالقوة، ومقتل 277 خطيبًا وإمامًا وداعية، وإخفاء 386 آخرين حتى اليوم، وصولًا إلى «تعيين إمام الجامع كما يُعيَّن المشرف الأمني، وتحويل الخطبة إلى بيان عسكري يتلوه رجل بعمامة».
وأكد أن هذه الممارسات مزقت صورة المسجد في أذهان الجيل؛ ليتحول من بيت للعبادة والسكينة إلى «أداة للتعبئة والحشد والتأجيج الطائفي وتمزيق النسيج المجتمعي»، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: 114].
خوف من حملة القرآن
وعن استهداف حفاظ كتاب الله، قال القطوي إن «الجماعة التي سمّت نفسها مسيرة قرآنية تخاف من حَمَلة القرآن أكثر من أي شخص آخر؛ لأن الحافظ يحمل النص كاملًا في صدره، ولا يحتاج إلى ملزمة تتوسط بينه وبين ربه، وكل صدر فيه المصحف منبر متنقل لا يُغلق ولا يُفرض عليه خطيب».
واستدل بتوثيق منظمة «رايتس رادار» الذي أظهر تصدر الحفاظ قائمة الضحايا، مستحضرًا جريمة قتل «شيخ القرآن، الشيخ صالح حنتوس (72 عامًا)، الذي قتلوه في بيته بمحافظة ريمة، وهم يرفعون المصحف شعارًا!».
وأوضح أن الحوثيين كانوا صرحاء في استشعار خطورة حَمَلة القرآن، لافتًا إلى تصريح أحد قادتهم قائلًا: «مشكلتنا الكبرى مع خريجي دور القرآن الكريم؛ لأنهم يقاتلون بعقيدة».
https://x.com/Mp_M_Alhazmi/status/2112848111131414857
هدم فكرة اليمن
وحذر القطوي من خطورة هذه الممارسات على الهوية الوطنية، مؤكدًا أنها «تهدم الجدار الذي حمى اليمن؛ فالمسجد الذي صلّى فيه اليمنيون بمختلف مشاربهم الفكرية، دون أن يسأل أحدهم الآخر عن مذهبه، يُحوَّل اليوم إلى خندق».
وأشار إلى أن تحويل أكثر من 420 مسجد إلى ثكنات، ونحو 220 مسجدًا إلى مراكز للتعبئة الفكرية، وإغلاق أكثر من 390 مسجدًا ونحو 470 مدرسة لتحفيظ القرآن، كما وثّقته الشبكة الحقوقية، يؤكد أن الجماعة «لا تعادي خطيبًا بعينه، بل تربّي جيلًا يتعلم في بيت الله أن جاره عدو، وأن الولاء لسلالة لا لوطن».
وأكد أنه «حين يصير الجامع مكانًا يفرّق ولا يجمع، فإن الذي يُهدم ليس المنبر وحده، بل فكرة اليمن نفسها».
مسار العدالة وتسمية الجريمة
وفي ختام حديثه، شدد القطوي على ضرورة الانتقال من النعي على المنابر إلى «إعداد ملفات تصمد أمام القضاء، تتضمن الأسماء والتواريخ والشهود لكل خطيب قُتل أو اختُطف، وإيداع قائمة المخفيين قسرًا لدى فريق الأمم المتحدة المعني بحالات الاختفاء القسري؛ لأن الرقم يُنسى، أما الاسم فتقوم عليه المحاسبة».
كما أكد على أهمية «تسمية الجريمة باسمها»، واصفًا الممارسات الحوثية بأنها «اضطهاد ممنهج على أساس ديني قد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، وليس مجرد انتهاك يُدرج في تقرير سنوي»، داعيًا الحقوقيين وأهالي الضحايا لاستيعاب الدرس السوري في تحريك آليات العدالة لملاحقة الجلادين ومجرمي الحرب.
واختتم الدكتور القطوي بتأكيد ثقته بأن «يوم العدالة في اليمن قريب، وجدير بأسر الضحايا أن تستعد له، بتوثيق كل انتهاك، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227]».