مرةً أخرى يعود الجدل مجددًا حول انخراط مليشيا الحوثي في ما سمّته «إسناد غزة»، في ضوء الاصطفافات التي جعلت البعض يتغاضى عن جرائمه المليشيا اليومية بحق اليمنيين بما في ذلك عدوانها على تعز وحصارها، ويسعى لتبني بروباجندا المليشيا وأكاذيبها باعتبارها القوة الوحيدة التي وقفت بزعمهم ضد حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة.
والواقع أن انخراط المليشيا الحوثية المدعومة من إيران في ذلك الصراع لم يكن استجابة إنسانية أو دينية خالصة لمأساة الفلسطينيين، بقدر ما كان توظيفًا سياسيًا وعسكريًا لقضية عادلة في خدمة مشروع الجماعة وأجنداتها الخاصة. فالجماعة التي رفعت شعار «الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل» منذ عام 2003، خاضت حروبها الست ضد الدولة والمجتمع اليمني، ولم تجعل من فلسطين يومًا أولوية تتجاوز حسابات بقائها وتوسعها في الداخل اليمني.
تناقض وانتهازية
وتكشف الخلفية السياسية للجماعة عن تناقض جوهري بين خطابها المعلن وممارساتها؛ فقد استهدفت القوى اليمنية التي وقفت تاريخيًا إلى جانب فلسطين، وهاجمت المؤسسات والجمعيات التي قدمت الدعم للفلسطينيين، وأغلقت ونهبت عددًا منها بعد انقلابها على الدولة في سبتمبر 2014. كما مارست الإقصاء والتنكيل بحق خصومها السياسيين، بمن فيهم قوى وحركات إسلامية لها تاريخ طويل في مناصرة القضية الفلسطينية. وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة دوافعها في تبني شعار النصرة.
لقد جاءت العمليات الحوثية تحت لافتة إسناد غزة في سياق أزمة عميقة كانت تعانيها الجماعة على المستوى الداخلي، نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية والخدمات، وامتناعها عن صرف مرتبات الموظفين، وتفشي الفساد، وتصاعد الانتهاكات ومصادرة الحريات. ومن ثم، مثّلت القضية الفلسطينية فرصة لإعادة تسويق الجماعة باعتبارها قوة إقليمية تتصدى لإسرائيل، وتحويل الأنظار عن سجلها في الانقلاب والقمع والفشل في إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وعلى المستوى السياسي والدعائي، استفادت الجماعة من التعاطف الشعبي الواسع مع مأساة غزة لتقديم نفسها بوصفها الطرف الأكثر جرأة في مواجهة إسرائيل، واستثمار حالة الفشل الدولي عن وقف العدوان. كما استخدمت هذا الخطاب لمهاجمة الحكومة اليمنية والقوى السياسية المناهضة لها، وتصوير خصومها باعتبارهم متواطئين مع إسرائيل والغرب، في محاولة لاحتكار تمثيل القضية الفلسطينية وتجريم أي معارضة لمشروعها.
ولم يقتصر الأمر على الدعاية، بل مثّلت العمليات فرصة لاستعراض القدرات الصاروخية والتقنيات العسكرية التي حصلت عليها الجماعة، وإثبات قيمتها ضمن المحور الإيراني، وتعزيز موقعها في الحسابات الإقليمية، لا سيما بعد الضربات التي تلقاها المحور في سوريا ولبنان. كما أسهمت في تدريب كوادرها واكتساب خبرات عملياتية في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، بما يخدم تطوير قدراتها العسكرية وتوظيفها لاحقًا في الصراع الداخلي والإقليمي.
والواقع أن انخراط المليشيا الحوثية المدعومة من إيران في ذلك الصراع لم يكن استجابة إنسانية أو دينية خالصة لمأساة الفلسطينيين، بقدر ما كان توظيفًا سياسيًا وعسكريًا لقضية عادلة في خدمة مشروع الجماعة وأجنداتها الخاصة. فالجماعة التي رفعت شعار «الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل» منذ عام 2003، خاضت حروبها الست ضد الدولة والمجتمع اليمني، ولم تجعل من فلسطين يومًا أولوية تتجاوز حسابات بقائها وتوسعها في الداخل اليمني.
تناقض وانتهازية
وتكشف الخلفية السياسية للجماعة عن تناقض جوهري بين خطابها المعلن وممارساتها؛ فقد استهدفت القوى اليمنية التي وقفت تاريخيًا إلى جانب فلسطين، وهاجمت المؤسسات والجمعيات التي قدمت الدعم للفلسطينيين، وأغلقت ونهبت عددًا منها بعد انقلابها على الدولة في سبتمبر 2014. كما مارست الإقصاء والتنكيل بحق خصومها السياسيين، بمن فيهم قوى وحركات إسلامية لها تاريخ طويل في مناصرة القضية الفلسطينية. وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة دوافعها في تبني شعار النصرة.
لقد جاءت العمليات الحوثية تحت لافتة إسناد غزة في سياق أزمة عميقة كانت تعانيها الجماعة على المستوى الداخلي، نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية والخدمات، وامتناعها عن صرف مرتبات الموظفين، وتفشي الفساد، وتصاعد الانتهاكات ومصادرة الحريات. ومن ثم، مثّلت القضية الفلسطينية فرصة لإعادة تسويق الجماعة باعتبارها قوة إقليمية تتصدى لإسرائيل، وتحويل الأنظار عن سجلها في الانقلاب والقمع والفشل في إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وعلى المستوى السياسي والدعائي، استفادت الجماعة من التعاطف الشعبي الواسع مع مأساة غزة لتقديم نفسها بوصفها الطرف الأكثر جرأة في مواجهة إسرائيل، واستثمار حالة الفشل الدولي عن وقف العدوان. كما استخدمت هذا الخطاب لمهاجمة الحكومة اليمنية والقوى السياسية المناهضة لها، وتصوير خصومها باعتبارهم متواطئين مع إسرائيل والغرب، في محاولة لاحتكار تمثيل القضية الفلسطينية وتجريم أي معارضة لمشروعها.
ولم يقتصر الأمر على الدعاية، بل مثّلت العمليات فرصة لاستعراض القدرات الصاروخية والتقنيات العسكرية التي حصلت عليها الجماعة، وإثبات قيمتها ضمن المحور الإيراني، وتعزيز موقعها في الحسابات الإقليمية، لا سيما بعد الضربات التي تلقاها المحور في سوريا ولبنان. كما أسهمت في تدريب كوادرها واكتساب خبرات عملياتية في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، بما يخدم تطوير قدراتها العسكرية وتوظيفها لاحقًا في الصراع الداخلي والإقليمي.
قمع داخلي
أما على المستوى الأمني، فقد وفّرت ذريعة «نصرة غزة» غطاءً لتشديد القبضة القمعية على المجتمع اليمني، وتوسيع حملات الاعتقال والملاحقة ضد الناشطين والحقوقيين والإعلاميين والمعارضين السياسيين. كما استُخدمت التعبئة المرتبطة بفلسطين لتجنيد الشباب وحشدهم، وربط الولاء للجماعة بموقفها المعلن من القضية الفلسطينية، بحيث يصبح رفض سلطتها أو معارضة ممارساتها مدخلًا للتخوين والاتهام بالعمالة.
وفي المقابل، لم تحقق تلك الهجمات الحوثية، وفق الوقائع والنتائج الماثلة للعيان، منجزًا عسكريًا مؤثرًا لصالح غزة؛ فلم تكسر الحصار، ولم توقف العدوان الإسرائيلي، ولم توفر للمقاومة الفلسطينية سلاحًا أو إمدادات عسكرية، ولم تغيّر موازين القوة على الأرض. وبذلك بقيت نتائجها العسكرية المباشرة محدودة جدًا قياسًا بحجم الخطاب الدعائي الذي رافقها، فيما جرى تضخيم أثرها وتقديمها باعتبارها إنجازات استراتيجية تتجاوز واقعها الفعلي.
وتبرز المفارقة بصورة أوضح عند النظر إلى التداعيات الاقتصادية للعمليات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب؛ إذ لم تقتصر آثارها على السفن المرتبطة بإسرائيل، بل امتدت إلى حركة التجارة العالمية، وأدت إلى تحويل مسارات الشحن نحو رأس الرجاء الصالح، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد. وكانت دول المنطقة، ولا سيما دول الخليج، من بين المتضررين من هذه التداعيات، سواء بفعل تراجع حركة الموانئ أو ارتفاع تكاليف الاستيراد والتصدير والطاقة.
عوائد إسرائيلية
وفي المقابل، استفادت شركات الشحن والتأمين البحري الكبرى من ارتفاع أسعار النقل وأقساط التأمين ومخاطر الحرب. وتبرز شركة الشحن الإسرائيلية «زيم» (ZIM) مثالًا لافتًا؛ إذ تحولت من تسجيل خسائر في عام 2023 إلى تحقيق أرباح صافية بلغت نحو 2.15 مليار دولار في عام 2024، وفق الأرقام الواردة في الدراسة. كما استفادت شركات الشحن الدولية وشركات التأمين من ارتفاع الطلب على خدماتها وزيادة كلفة الرحلات، وهو ما يكشف مفارقة أن التصعيد الذي رُفع شعارًا للإضرار بإسرائيل أسهم، في الوقت ذاته، في توفير ظروف اقتصادية مواتية لتحقيق أرباح كبيرة لشركات إسرائيلية ودولية.
أما ماليًا، فقد تحولت القضية الفلسطينية إلى مبرر لفرض جبايات وإتاوات على المواطنين والتجار والشركات في مناطق سيطرة الجماعة، تحت عناوين دعم القوة الصاروخية ونصرة غزة. ولم تكن تلك الموارد خاضعة لرقابة مستقلة أو شفافة، بل أضافت إلى الأعباء المعيشية التي يتحملها اليمنيون، في وقت تواصل فيه الجماعة توظيف موارد الدولة والمجتمع لتعزيز قدراتها العسكرية وتثبيت سلطتها. كما تشير الدراسة إلى استفادة الجماعة من شبكات تمويل ودعم خارجي، ومن عوائد مرتبطة بالاضطراب الملاحي.
إن أخطر ما في هذا التوظيف هو تحويل قضية فلسطين من قضية جامعة تتطلب توحيد الجهود والإمكانات إلى أداة للاستقطاب والانقسام السياسي والمذهبي، ووسيلة لتبرير الانقلاب ومصادرة الدولة وإسكات المجتمع. فمناصرة غزة لا تكون باحتكار القضية أو استغلال آلام الفلسطينيين لتصفية الحسابات مع الخصوم، ولا بتدمير مقومات الدولة اليمنية وإضعاف المجتمع الذي يُفترض أن يكون قادرًا على الإسهام في نصرة القضايا العربية والإسلامية.
وخلاصة الأمر أن تجربة الحوثيين تقدم نموذجًا للانتهازية واستغلال القضايا العادلة في خدمة مشاريع سلطوية عابرة للحدود. فبينما لم تُحدث العمليات الحوثية تحولًا من أي نوع في موازين القوة لصالح غزة، حققت للجماعة مكاسب دعائية وعسكرية وأمنية، ووفرت لها فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي وتشديد قبضتها الداخلية، في حين تحمل اليمنيون ودول المنطقة جانبًا كبيرًا من كلفتها الاقتصادية والأمنية، واستفادت شركات الشحن والتأمين الكبرى، بما فيها شركات إسرائيلية، من تداعياتها. وهكذا تبدو «نصرة غزة» في الحسابات الحوثية أقرب إلى استثمار سياسي وعسكري واقتصادي في مأساة الفلسطينيين، منها إلى إسناد فعلي يغيّر واقعهم أو يخفف معاناتهم.
أما على المستوى الأمني، فقد وفّرت ذريعة «نصرة غزة» غطاءً لتشديد القبضة القمعية على المجتمع اليمني، وتوسيع حملات الاعتقال والملاحقة ضد الناشطين والحقوقيين والإعلاميين والمعارضين السياسيين. كما استُخدمت التعبئة المرتبطة بفلسطين لتجنيد الشباب وحشدهم، وربط الولاء للجماعة بموقفها المعلن من القضية الفلسطينية، بحيث يصبح رفض سلطتها أو معارضة ممارساتها مدخلًا للتخوين والاتهام بالعمالة.
وفي المقابل، لم تحقق تلك الهجمات الحوثية، وفق الوقائع والنتائج الماثلة للعيان، منجزًا عسكريًا مؤثرًا لصالح غزة؛ فلم تكسر الحصار، ولم توقف العدوان الإسرائيلي، ولم توفر للمقاومة الفلسطينية سلاحًا أو إمدادات عسكرية، ولم تغيّر موازين القوة على الأرض. وبذلك بقيت نتائجها العسكرية المباشرة محدودة جدًا قياسًا بحجم الخطاب الدعائي الذي رافقها، فيما جرى تضخيم أثرها وتقديمها باعتبارها إنجازات استراتيجية تتجاوز واقعها الفعلي.
وتبرز المفارقة بصورة أوضح عند النظر إلى التداعيات الاقتصادية للعمليات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب؛ إذ لم تقتصر آثارها على السفن المرتبطة بإسرائيل، بل امتدت إلى حركة التجارة العالمية، وأدت إلى تحويل مسارات الشحن نحو رأس الرجاء الصالح، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد. وكانت دول المنطقة، ولا سيما دول الخليج، من بين المتضررين من هذه التداعيات، سواء بفعل تراجع حركة الموانئ أو ارتفاع تكاليف الاستيراد والتصدير والطاقة.
عوائد إسرائيلية
وفي المقابل، استفادت شركات الشحن والتأمين البحري الكبرى من ارتفاع أسعار النقل وأقساط التأمين ومخاطر الحرب. وتبرز شركة الشحن الإسرائيلية «زيم» (ZIM) مثالًا لافتًا؛ إذ تحولت من تسجيل خسائر في عام 2023 إلى تحقيق أرباح صافية بلغت نحو 2.15 مليار دولار في عام 2024، وفق الأرقام الواردة في الدراسة. كما استفادت شركات الشحن الدولية وشركات التأمين من ارتفاع الطلب على خدماتها وزيادة كلفة الرحلات، وهو ما يكشف مفارقة أن التصعيد الذي رُفع شعارًا للإضرار بإسرائيل أسهم، في الوقت ذاته، في توفير ظروف اقتصادية مواتية لتحقيق أرباح كبيرة لشركات إسرائيلية ودولية.
أما ماليًا، فقد تحولت القضية الفلسطينية إلى مبرر لفرض جبايات وإتاوات على المواطنين والتجار والشركات في مناطق سيطرة الجماعة، تحت عناوين دعم القوة الصاروخية ونصرة غزة. ولم تكن تلك الموارد خاضعة لرقابة مستقلة أو شفافة، بل أضافت إلى الأعباء المعيشية التي يتحملها اليمنيون، في وقت تواصل فيه الجماعة توظيف موارد الدولة والمجتمع لتعزيز قدراتها العسكرية وتثبيت سلطتها. كما تشير الدراسة إلى استفادة الجماعة من شبكات تمويل ودعم خارجي، ومن عوائد مرتبطة بالاضطراب الملاحي.
إن أخطر ما في هذا التوظيف هو تحويل قضية فلسطين من قضية جامعة تتطلب توحيد الجهود والإمكانات إلى أداة للاستقطاب والانقسام السياسي والمذهبي، ووسيلة لتبرير الانقلاب ومصادرة الدولة وإسكات المجتمع. فمناصرة غزة لا تكون باحتكار القضية أو استغلال آلام الفلسطينيين لتصفية الحسابات مع الخصوم، ولا بتدمير مقومات الدولة اليمنية وإضعاف المجتمع الذي يُفترض أن يكون قادرًا على الإسهام في نصرة القضايا العربية والإسلامية.
وخلاصة الأمر أن تجربة الحوثيين تقدم نموذجًا للانتهازية واستغلال القضايا العادلة في خدمة مشاريع سلطوية عابرة للحدود. فبينما لم تُحدث العمليات الحوثية تحولًا من أي نوع في موازين القوة لصالح غزة، حققت للجماعة مكاسب دعائية وعسكرية وأمنية، ووفرت لها فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي وتشديد قبضتها الداخلية، في حين تحمل اليمنيون ودول المنطقة جانبًا كبيرًا من كلفتها الاقتصادية والأمنية، واستفادت شركات الشحن والتأمين الكبرى، بما فيها شركات إسرائيلية، من تداعياتها. وهكذا تبدو «نصرة غزة» في الحسابات الحوثية أقرب إلى استثمار سياسي وعسكري واقتصادي في مأساة الفلسطينيين، منها إلى إسناد فعلي يغيّر واقعهم أو يخفف معاناتهم.