كشف استهداف المملكة العربية السعودية من قبل مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني عن طبيعة المشروع الذي تسعى المليشيا إلى تحقيقه، بعيداً عن الشعارات التي ترفعها بشأن نصرة غزة وفلسطين. فالهجمات التي طالت المدن السعودية ومقدسات المسلمين مكة والمدينة أثارت إدانات واسعة من هيئات علمائية في العالمين العربي والإسلامي، رأت فيها اعتداءً على المدنيين، وتهديداً لأمن المملكة، واستهدافاً لحرمات المسلمين.
ومنذ مطلع سبتمبر، شنّت المليشيا عدواناً على مدن جنوب المملكة، أُصيب خلاله عشرات المدنيين من المواطنين والمقيمين، قبل أن توسّع نطاق هجماتها نحو منطقة مكة المكرمة والمدينة المنورة. وجاء هذا التصعيد ليكشف خطورة الجماعة واستعدادها لتجاوز الخطوط المرتبطة بحرمة المقدسات الإسلامية، وهي أمور لم تكن في حسبان كثير من الدول العربية والإسلامية، باستثناء من يعرف الجماعة على حقيقتها ولا يستبعد إقدامها على ما يضر بحواضر العرب والمسلمين ومقدساتهم.
وامتد الاعتداء نحو الرياض، إذ استهدفت المليشيا، مطلع أكتوبر، مطار الرياض بصاروخ، ما أسفر، وفقاً للمعلومات الرسمية السعودية، عن مقتل 12 مدنياً وإصابة أكثر من 30 آخرين. بأنه أكبر اعتداء تتعرض له المملكة، لتتوالى على إثره إدانات الهيئات العلمائية التي شددت على حرمة استهداف المدنيين والمقدسات، ورفضت تبرير هذه الهجمات تحت أي ذريعة.
رابطة العالم الإسلامي: اعتداءات إرهابية غادرة
في سياق الإدانات، أكدت رابطة العالم الإسلامي رفضها لمواصلة مليشيا الحوثي الإرهابية عدوانها على المملكة العربية السعودية، وتعمدها استهداف المدنيين والمواقع المدنية، ووصفت ما تقوم به بأنه نهج إجرامي يتعارض مع القيم الدينية والإنسانية.
وفي بيان للأمانة العامة للرابطة صدر في 14 أكتوبر، وصف الأمين العام، رئيس هيئة علماء المسلمين، الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى، هذه الاعتداءات بأنها أعمال إرهابية غادرة تنتهك القيم الدينية والقوانين والأعراف الدولية والإنسانية، وتؤكد إصرار المليشيا على استهداف المدنيين والأعيان المدنية.
وشدد البيان على التضامن الكامل مع المملكة العربية السعودية في كل ما تتخذه من إجراءات لردع المعتدين، وحفظ أمنها وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها. ويعكس هذا الموقف، وفقاً لما جاء في البيان، رفضاً لاستمرار الاعتداءات التي تهدد أمن المملكة وتعرّض حياة المدنيين للخطر.
اللجنة العليا للإفتاء في ليبيا: الاعتداء على الحرم اعتداء على المسلمين
وفي ليبيا، اتخذت اللجنة العليا للإفتاء التابعة للحكومة الليبية، ومقرها بنغازي، موقفاً رافضاً لأي تأييد أو دعم لمليشيا الحوثي الإرهابية في حربها على أهل السنة، مؤكدة أن الاعتداء على الحرم لا يمكن فصله عن الاعتداء على الأمة الإسلامية بأسرها.
وقالت اللجنة، في بيان لها، إن أي اعتداء على الحرم يُعد اعتداءً على كل مسلم، وإنه لا يجوز لأي منتسب إلى الإسلام إقرار ذلك أو الوقوف في صف من اعتدوا على حرمات الله جل وعلا. واستدلت بقول الله عز وجل: "وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ".
ورأت اللجنة أن حرب الحوثيين وعدوانهم يمثلان استهدافاً لأهل السنة واعتداءً مباشراً على المقدسات وحرمات المسلمين، مشددة على أن أي مساس بالحرم أو اعتداء عليه يمثل عدواناً على الأمة الإسلامية بأسرها.
وفي السياق ذاته، أكدت الفتوى الشرعية الصادرة عن اللجنة أنه لا يجوز شرعاً لأي منتسب إلى الدين الإسلامي إقرار أفعال الحوثيين، أو الوقوف في صفهم، أو تبرير انتهاكاتهم تحت أي ذريعة.
وامتدت مواقف اللجنة إلى انتقاد الأصوات المحلية التي تتخذ موقف ملتوي، ووصفت اللجنة هذا الموقف بأنه مشين ومثير للفتن وداعم لأهل الانحراف، في موقف يرفض تبرير الاعتداءات أو توفير غطاء لها.
الأزهر: استهداف مكة استفزاز لمشاعر المسلمين
أما الأزهر، فقد ركز في مواقفه على خطورة استهداف مكة المكرمة وما يمثله ذلك من مساس بحرمة البلد الحرام ومشاعر المسلمين، واصفاً الاستهداف بأنه جريمة نكراء واستفزاز لمشاعر المسلمين، ومؤكداً أن حرمة البلد الحرام من ثوابت العقيدة التي لا يجوز المساس بها.
واعتبر الأزهر أن أمن الحرمين الشريفين قضية تمس عقيدة الأمة الإسلامية بأسرها، وهو ما يجعل أي اعتداء على المقدسات تجاوزاً يتخطى حدود المملكة ليصل أثره إلى المسلمين في مختلف أنحاء العالم. ويمكن العثور على النصوص الكاملة لبيانات الأزهر في المصادر المذكورة.
كما أدان الأزهر الهجوم الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين والمعتمرين. واعتبر أن استهداف المنشآت المدنية وزوار الحرمين الشريفين يؤجج مشاعر المسلمين، ويمثل انتهاكاً غير مقبول للقيم الإنسانية والأعراف الدولية، فضلاً عن تهديده المباشر لأمن المملكة العربية السعودية ووحدة أراضيها.
ورفض الأزهر بشكل قاطع الهجمات الإجرامية المتكررة التي تعرّض حياة المدنيين الأبرياء للخطر، وتهدد أمن المملكة واستقرارها، محذراً من عواقب استمرارها. كما شدد على أن صون الأمن الإقليمي يتطلب وقف هذه الهجمات فوراً، واحترام سيادة الدولة ووحدة أراضيها.
وفي هذا الإطار، يعبّر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، باستمرار عن مساندة المشيخة الكاملة للمملكة، قيادةً وشعباً، في كل ما تتخذه من إجراءات دفاعية لحماية سيادتها وأراضيها. ويرى الأزهر أن هجمات الحوثيين تمثل انتهاكاً صارخاً للمبادئ والقيم الإسلامية الأساسية المتعلقة بحقوق الجوار وحرمة الدماء وترويع الآمنين.
هيئة علماء اليمن: أمن المملكة واليمن مترابطان
من جانبها، أدانت هيئة علماء اليمن الاعتداءات الحوثية على مطار الملك خالد الدولي، ووصفتها بأنها عمل إرهابي يستهدف منشأة مدنية ويعرّض حياة الآمنين للخطر، مؤكدة أن اليمنيين يقعون في مقدمة المتضررين من ممارسات المليشيا وهجماتها.
وقالت الهيئة، في بيان لها، إن استهداف منشأة مدنية تغصّ بالآمنين جريمة محرّمة بإجماع المسلمين، وتندرج ضمن الحرابة والسعي في الأرض فساداً، مشددة على أنه لا عذر لمرتكبيها بأي دعاوى أو ذرائع، وأن كل من يشارك فيها أو يمولها أو يبررها يُعد شريكاً في الإثم والجريمة.
وأضافت الهيئة، في بيانها: "إن هيئة علماء اليمن، إذ تعبّر عن تعازيها للمملكة العربية السعودية، قيادةً وحكومةً وشعباً، ولأسر الضحايا والدول التي ينتمون إليها، وتسأل الله الشفاء العاجل للمصابين، فإنها تؤكد أن هذا النهج لا يمثل اليمن ولا اليمنيين، وهم أول ضحاياه، وأن أمن المملكة وأمن اليمن مترابطان، وأن هذا الاعتداء تعبير عن الإفلاس الديني والأخلاقي والإنساني الذي وصلت إليه هذه العصابة الحوثية المتمردة، التي باتت خطراً يتجاوز اليمن إلى محيطه العربي والعالم. وهو كذلك جحود ونكران لمواقف المملكة الأخوية في دعم الشعب اليمني، وآخرها التسهيلات التي سارعت إلى تقديمها للمقيمين اليمنيين، الذين يعيلون بدورهم ملايين اليمنيين الذين يتجرعون الويلات في مناطق سيطرة هذه المليشيا".
ودعت الهيئة الحكومة اليمنية إلى إنهاء خطر الحوثيين واستعادة مؤسسات الدولة، مؤكدة أن ردع من يسفك الدم الحرام من أوجب الواجبات. كما طالبت حكومات العالم والمنظمات الدولية باتخاذ موقف حازم لمساندة الحكومة اليمنية وحلفائها في مواجهة مليشيا الحوثي الإرهابية وردعها.
ودعت الهيئة العالم الإسلامي إلى بيان حرمة الجرائم الحوثية وكشف زيفها، والعمل على توحيد الصف في مواجهة المشروع الذي وصفته بالإجرامي وإسقاطه. ويبرز هذا الموقف ترابط البعدين اليمني والسعودي في مواجهة الاعتداءات، انطلاقاً من أن استمرار تهديد أمن المملكة ينعكس كذلك على اليمن ومحيطه العربي.
علماء العراق: الحوثيون فئة طائفية مرتبطة بمشاريع إقليمية
وفي العراق، دعا قسم الفتوى في هيئة علماء المسلمين إلى نصرة اليمنيين ضد مليشيا الحوثي الإرهابية، باستخدام الوسائل الممكنة، السياسية والإعلامية والفكرية والميدانية، معتبراً أن نصرة اليمنيين في قتالهم ضد جماعة الحوثي واجبة.
وأكد القسم أن هذه المسؤولية تقع بصورة خاصة على أهل اليمن، ثم على عموم أبناء الأمة الإسلامية، في موقف يربط بين مساندة اليمنيين ومواجهة ما وصفه البيان بالمشروع الطائفي المرتبط بأجندات إقليمية.
ووصف البيان جماعة الحوثي بأنها فئة طائفية مرتبطة بمشاريع إقليمية، تستخدم القضية الفلسطينية غطاءً لتبرير سياساتها وممارساتها في اليمن. وشدد قسم الفتوى على أهمية تصحيح المفاهيم المغلوطة ومواجهة الطروحات التي تستند إليها الجماعة في خطابها بشأن القضية الفلسطينية.
ويأتي هذا الموقف في سياق الانتقادات التي وجهتها الهيئات العلمائية إلى توظيف القضية الفلسطينية في الخطاب السياسي للجماعة، مع التأكيد على ضرورة التمييز بين نصرة القضية الفلسطينية والممارسات التي تتسبب في الاعتداء على المدنيين وتهديد أمن الدول والمقدسات.
موقف موحد
مواقف الهيئات العلمائية في العالمين العربي والإسلامي، من رابطة العالم الإسلامي والأزهر إلى هيئات الإفتاء والعلماء في ليبيا واليمن والعراق، تعكس موقف موحد لعلماء المسلمين في الدول العربية ورفض واسع للاعتداءات الحوثية التي استهدفت المملكة العربية السعودية، وما رافقها من تهديد للمدنيين والمواقع المدنية والمقدسات الإسلامية.
وقد تركز اهتمام الهيئات العلمائية بين التأكيد على حرمة الحرم ومكانته في عقيدة المسلمين، وإدانة استهداف المدنيين، والدعوة إلى ردع المليشيا ومواجهة خطابها العدائي الطائفي، وصولاً إلى التشديد على ترابط أمن المملكة واليمن وضرورة مساندة الحكومة اليمنية في استعادة مؤسسات الدولة. كما برزت المواقف برفض تبرير الهجمات أو توظيف القضية الفلسطينية غطاءً للسياسات والممارسات الحوثية. وبذلك، امتدت الإدانات إلى التأكيد على مسؤولية الدول والهيئات الإسلامية في حماية المقدسات، وصون أرواح المدنيين، ومواجهة ما تعتبره هذه الهيئات تهديداً لأمن الدول العربية واستقرارها.