وجّهت هيئة علماء اليمن رسالة مفتوحة إلى فضيلة الإمام شيخ الأزهر الشريف، بتاريخ 8 جمادى الأولى 1448هـ الموافق 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2026م، عبّرت فيها عن تقديرها لبيان الأزهر الداعي إلى التهدئة وتشكيل لجنة وساطة عربية وإسلامية لوقف الحروب في المنطقة، وحملته على مقصد حسن. غير أنها أبدت تحفظها على خلوّ البيان من إشارة بيّنة إلى اليمن، محذرة من أن يوهم ذلك بالتسوية بين الضحية والجلاد.
وفي رسالتها أكد علماء اليمن أن ما يجري في اليمن ليس نزاعًا بين دولتين ولا حربًا بين الشعب اليمني وجاره، كما تروّج مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني، وإنما انقلاب جماعة مسلحة على الدولة ومؤسساتها وعلى الشرعية الدستورية المنتخبة. وقالت الرسالة إن المليشيا فرضت سلطتها بالقوة على أجزاء واسعة من البلاد بإسناد من النظام الإيراني، وسعت إلى إخضاع اليمنيين لمشروع طائفي يحصر الحكم في سلالة ويصادر حق الشعب في اختيار من يحكمه.
واتهمت الرسالة الجماعة بإشاعة الفوضى والجرائم طوال نحو عقدين، وبفرض سياسة التجويع والإفقار والترهيب، وتمزيق النسيج الوطني، وتعبئة الأجيال على الكراهية والتطرف ومعاداة العرب وتكفيرهم، مقابل تمجيد النظام الإيراني وفرض الولاء له. وأضافت أن الجماعة حوّلت اليمن إلى منصة إيذاء لجيرانه وأشقائه، وصولًا إلى استهداف مقدسات المسلمين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وقتل الآمنين والمسافرين في المطارات، ومنهم المعتمرون قاصدو بيت الله الحرام.

حصيلة ثقيلة من الانتهاكات
وأوردت الرسالة حصيلة لما خلّفه هذا البغي، قالت فيها إنه أوقع مئات الآلاف من القتلى والجرحى وملايين المشردين داخل اليمن وخارجه، فضلًا عن عشرات الآلاف من المعتقلين والمختطفين والمخفيين قسرًا. وذكرت أن نحو 5300 مدني ما زالوا في سجون المليشيا، بينهم 77 موظفًا أمميًا، وأن أكثر من 470 شخصًا قضوا تحت التعذيب. وأشارت إلى أن الألغام التي زرعتها الجماعة حصدت آلاف القتلى والمصابين، بينهم نساء وأطفال.
وفي ما يخص بيوت الله، ذكرت الرسالة أن نحو 4900 انتهاك موثق طالتها على يد الجماعة الإرهابية، وأن أكثر من 400 مسجد حُوّلت إلى ثكنات، وأن 277 من الأئمة والخطباء قُتلوا. وأفادت بأن نحو 284 ألف شخص شُرّدوا في الأسابيع الأخيرة وحدها، وقُتل عشرات المدنيين وجُرح كثيرون، فيما لا تزال محافظة تعز تحت القصف والحصار. ثم امتد العدوان، بحسب الرسالة، إلى استهداف المدنيين والمطارات في المملكة العربية السعودية.

الحكم الشرعي: ردع البغي أولًا
واستشهد العلماء بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9]، مؤكدين أن الشريعة لا تسوّي بين الباغي والمبغيّ عليه، وأن الإصلاح الذي أمرت به الآية يقتضي ردع العدوان أولًا ثم إعادة الحقوق إلى أهلها. وأضافوا أن اليمنيين جرّبوا الهدنة تلو الهدنة، فاتخذتها الجماعة الحوثية فرصة لترتيب صفوفها واستجلاب السلاح، ولم تكن طريقًا إلى السلام.

مطالب الهيئة
وفي رسالتها أعلنت هيئة علماء اليمن أنها تبتغي سلامًا عادلًا يحقن الدماء ويحفظ وحدة اليمن وسيادته، لكنها رفضت أن تصبح الدعوات إلى التهدئة غطاءً لإدامة الانقلاب والجرائم. وطلبت من شيخ الأزهر وسائر علماء الأمة أمرين: أن يبيّنوا الحكم الشرعي في الخروج المسلح على الدولة، لا سيما حين يتخادم مع أجندة المشروع الإيراني التوسعي، وأن يكون اليمن حاضرًا بيّنًا في جهودهم المباركة، دعمًا لنضال شعبه العادل في استعادة دولته وإنهاء عدوان المليشيا، وألا يُترك وحده في مواجهة تبعات الانقلاب. وثمّنت الرسالة موقف جمهورية مصر العربية الداعم لليمن وقيادته الشرعية، وما يجمع الشعبين من روابط أخوية، وختمت بالدعاء بحفظ اليمن ومصر والمملكة العربية السعودية وسائر بلاد المسلمين.

نهج متكرر في نقض العهود واستغلال الهدن
يذكر أن مضامين الرسالة العلمائية تتقاطع مع سجل طويل من الاتهامات الموجهة إلى الحوثيين بنقض الاتفاقات، بما في ذلك اتفاق ستوكهولم الذي رعته الأمم المتحدة في ديسمبر/ كانون الأول 2018.
ومن هنا تأتي تحذيرات علماء اليمن من أن الهدنة، إذا لم تقترن بإلزام الجماعة بتنفيذ التزاماتها وردع اعتداءاتها، تتحول إلى فرصة لإعادة التسلح والتحضير لجولة جديدة من الحرب. ويضيف هذا السجل ثقلًا إلى استهدافها المطارات المدنية في السعودية خلال الأسابيع الماضية، وما أسفر عنه من ضحايا من جنسيات عدة.