باتت الجبايات في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، منظومة مالية متكاملة تغلّفها لغة دينية وتحرسها نقاط تفتيش، ويتحمل كلفتها المزارع والتاجر وبائع البسطة، تحت ذرائع ومسميات مختلفة، بدءًا بالخمس والزكاة والجمارك والضرائب وصولا إلى دعم المجهود الحربي والمولد النبوي والقدس وغير ذلك.

في الفقه الإسلامي يرتبط الخمس بالغنائم. وقد وسّع الحوثيون تعريف الغنائم ليشمل المعادن والنفط والغاز والمياه وصيد الأسماك. وبحسب تقرير فريق الخبراء المعني باليمن التابع لمجلس الأمن، فرضت الجماعة ضريبة الخمس بنسبة 20 بالمائة في يونيو/ حزيران 2020 على قطاعات المعادن والهيدروكربونات والمياه وصيد الأسماك، وأشار التقرير إلى أن من بين المستفيدين منها عائلة الحوثي وعدداً من الموالين لها.

وتمتد المطالبة إلى الأرباح التجارية والمحاصيل والثروة الحيوانية. وتبدو الزكاة الواجهة الشرعية، بينما الخمس الابتكار الحقيقي لنهب مدخرات اليمنيين وأموالهم.

لقد تحوّلت الجباية إلى جهاز إداري. فبحسب مصادر مطلعة، أنشأت الجماعة في 2025 «محاكم زكاة» متخصصة في صنعاء، وبدأت ببناء قواعد بيانات للمزارعين تتضمن الأسماء والمساحات المزروعة وأنواع المحاصيل. وعند سيطرتها على الساحل الغربي، افتتحت مكاتب «الهيئة العامة للزكاة» وعسكرت الطرق الحيوية.

المكوس على مداخل المدن

ويمتد عمل المنظومة الجبائية لمليشيا الحوثي إلى الطرق. فقد أفادت مصادر صحافية موثوقة بأن الجماعة أعلنت عبر مصلحة الضرائب في صنعاء خطة تدشّن مرحلة جديدة من فرض الجبايات على التجار وبقية فئات المجتمع. وفي الساحل الغربي استحدثت موازين إلكترونية ونقاط تفتيش على مداخل الأسواق لوزن محاصيل المزارعين وفرض رسوم عليها.

وفي فبراير/ شباط 2026 أفادت مصادر إعلامية نقلًا عن مزارعين وتجار أن نقطة تفتيش في جولة القصر فرضت 500 ريال على كل كيس بصل. وبحسب مصادر محلية، نشأت بذلك حدود اقتصادية داخلية تُلزم التجار بالمرور عبر نقاط تحصيل متعددة بين عدن أو المخا وصنعاء.

وإلى جانب هذه الجبايات الداخلية، قدّرت لجنة الخبراء أن الرسوم الجمركية في الموانئ الخاضعة للحوثيين درّت 994 مليار ريال بين أبريل/ نيسان 2022 ويونيو/ حزيران 2024، أي نحو 4 مليارات دولار.

أصوات الضحايا

يقول هيثم الراجحي، وهو بائع بسطة ملابس في صنعاء، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام يمنية، إن عناصر هيئة الزكاة يصوّرون بضاعة الباعة تمهيداً لفرض مبالغ عليهم، ويصف ذلك بأنه «أسلوب نهب». أما فكري العراسي، وهو بائع إكسسوارات، فيشكو من أن الجماعة جاءت تطلب الزكاة والسوق راكد.

وقال تجار ومزارعون في صنعاء وريفها وإب في تقارير تداولتها وسائل إعلام، إنهم أُجبروا على تبرعات نقدية تتراوح بين 10 آلاف و100 ألف ريال على كل مزارع وتاجر.

وفي إب، أفاد أصحاب بقالات بأن فرق التفتيش تطالبهم بما بين 10 و30 ألف ريال، وأن الامتناع يعني تحرير محاضر مخالفة ومضاعفة المبلغ.

وتجدر الإشارة إلى أن العديد من هذه الإفادات المنشورة لم ترد سلطات المليشيا عليها، غير أن الجماعة تبرر هذه التحصيلات بالأحكام الشرعية ودعم المجهود الحربي.

 

الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية

اقتصادياً، تعمل هذه الجبايات كضريبة على الإنتاج والتنقل في اقتصاد منهك. ويتصاعد أثرها في أسعار السلع، إذ تشير تقارير إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، وقد أجبرت هذه السياسات بعض رؤوس الأموال على مغادرة مناطق سيطرة المليشيا، ودفع الإفلاس مستثمرين إلى إغلاق متاجرهم. وفي المقابل لا يلتزم الحوثيون بدفع أي مدفوعات للمواطنين، فالإيرادات الجمركية والضريبية لا تقابلها رواتب ولا خدمات.

اجتماعياً، تتجاوز المسألة المال إلى الشرعية والهوية. فتوجيه جزء كبير من العائدات إلى فئة بعينها على أساس النسب يكرّس تمييزاً قائماً على السلالة، ويحوّل الدين من مرجعية جامعة إلى أداة تحصيل. كما يدفع الخوف من الغرامات وإغلاق المحال الناس إلى الإذعان، وتدفع الكلفة المتصاعدة المزارعين إلى هجر مهنتهم والبحث عن عمل آخر أو الهجرة.

نهج إمامي كارثي

يقول الداعية والباحث الشيخ عبدالله النهيدي عضو هيئة علماء اليمن في تصريح خاص لموقع المنبر الإعلامي لعلماء اليمن: "ينطلق الحوثيون فيما ينهبونه من أموال الناس من منطلق عقائدي يرونه لزاما على كل من أعتنق فكرتهم أن يدفع ضريبةً لازمةً ودائمةً، وهي الطريق الأسهل للثراء المادي والتسلط المجتمعي على من يحكمونهم، فيتحول المال من أيدي أهله إلى أيدي جباته، فتغتني فئة وتفتقر أخرى، وهي أموال لا تعتمد على قوانين منظمة، أو إيرادات تذهب إلى مصالح المواطنين، بل إلى جيوب المتنفذين فيهم، فعندما يفتقر المواطن يظل رهينةً لحاكميه يمنون عليه بما أبقوا له في يده، لا بما قدموا له من خدمات".

ويستشهد الشيخ النهيدي بما قاله عبدالله بن حمزة أحد الأئمة الهادوية: "إن الله سيسألني عما أبقيت في أيديهم لا عما أخذت منهم"، ويضيف الشيخ النهيدي "أنهم بذلك يسمونها حقاً إلهياً ولا يكون لها أي سقف، واضح، الخمس أولها".

ويجزم الشيخ النهيدي بأنه "لم يرد في الإسلام أن يعطي المسلم خمس ماله كل عام لفئة لا تقدم له أي مقابل، وهذه مسألة يطول فيها الشرح والكلام، لكن خمس مغانم الحرب وما ذكره الله فيها لا تنطبق على هذا لا من قريب ولا من بعيد، وحتى الزكاة والتي هي ربع العشر فقط لها مصارف مجتمعية محددة ومبينة بوضوح، وهي نوع من التكافل الاجتماعي وتوزيعاً سليماً للثروة، وهو نظام عادل لا يطرأ عليه أي إشكال، خلافا لخمس الشيعة، والذي نعرف مصدره، ولا نعرف مورده، ثم تأت بقية الإتاوات والجبايات، والتي تذهب إلى جيوب المتنفذين فتتعطل عجلة الحياة وعجلة الاقتصاد، وعجلة التجارة، وهو ما نلمحه اليوم في اليمن، حيث أصبح البلد على مشارف مجاعة كبيرة كادت أو قد وصلت بالناس إلى ترك البلد، أو الاستكانة لحكم الميليشيات فيجندونهم بملء بطونهم، وهذا هو المقصد من إفقار الناس وتجويعهم".

كما يستشهد الشيخ النهيدي مرةً أخرى بالمقولة المشهورة عن يحيى حميد الدين "جوعه يتبعك،  وجهله يتبعك"، مؤكدًا بأن "ذلك هو نظام إقطاعي ضرائبي مقيت، أوصلنا إلى ما نحن فيه من تداعيات خطيرة على بنية المجتمع، وديناميكيته، وما نتج عنها من آثار خطيرة، عزوف عن التعليم، هجرة العقول، توقف التنمية، الانتحار، المخدرات، عودة الأمراض الفتاكة والتي قد خلت من العالم كله، وخلت من اليمن سابقاً، وإذا بها تعود اليوم ( الكوليرا، الجدري، شلل الأطفال ... ) وغيرها كثير، وأكبر كارثة حلت بالشعب اليمني هي فقدان الأمل، وانسداد الأفق، وترسخ مفاهيم بالية عادت من جديد عودة مشؤومة تفتك باليميين في كل مكان، والله المستعان".

خلاصة

إن هذه الممارسات الموثقة تكشف نمطاً منهجيًا تتبعه مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران لإذلال الناس وإخضاعهم عنوة لخدمة منظومتها الاقتصادية: غطاء ديني، وجهاز إداري، وحواجز على الطرق، وكلفة يتحملها من لا يملك ما يدفعه.